كواسر فيغاس وستاربكس أيضاًبقلم: نسيم الصمادي
"فيغاس" هي
المدينة الأمريكية التي تعرضت لهجوم دموي أودى بحياة 60 ضحية وأصاب عشرة أضعافهم.
و"ستاربكس" هي الشركة التي بدأت أمريكية وصارت عالمية وهي تبيع القهوة
بجودة عالمية وأسعار فلكية. أما "الكواسر" فهو ترجمتي الجديدة للمصطلح
الاستشرافي Wild Card الذي
ابتدعه "جون بيترسِن" ليصف الأحداث والوقائع غير المتوقعة، والتي إن
وقعت تكون ذات تأثير كبير وخطير لأنها تُفاجئ المتضررين بها والمستفيدين منها على
حد سواء، والتي يستحيل على خبراء إدارة الأزمات ومصفوفات إدارة المخاطر توقع
مكانها وزمانها ونتائجها أو مدى تأثيرها.
| https://edara.com/Libraries/Library.aspx?libraryid=110&keyword=%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA |
لم يكن الهجوم الهمجي في "لاس فيغاس" هو أول هجوم يقوم
به رجل أبيض على بني جلدته، لكنه أول هجوم يستمر إطلاق النار فيه 15 دقيقة من قبل
شخص واحد، باتجاه 20 ألف متفرج، ويُنفذه أمريكي ثري، في منتصف العقد السابع من
عمره، مستخدماً 23 رشاشاً أطلق منها ما يقرب من 1000 طلقة. هذا الحدث يكسر
التوقعات، فيصبح من المستحيل التحوط له وقياس أبعاده.
فكروا في تأثير هجوم 11 سبتمبر على مفهوم الأمن في العالم، وتأثير
فوز "ترامب" في السياسة الخارجية الأمريكية، وتأثير إعصار
"ماريا" على مستقبل جزيرة "بورتوريكو" وعلاقتها بالبر
الأمريكي، وهجوم "فيغاس" وانعكاساته على مبيعات الأسلحة الآلية في
أمريكا، وفكروا أيضاً في تداعيات الخطأ الذي ارتكبه أحد موظفي "ستاربكس"
عندما دفعتُ قيمة مشترياتي ببطاقتي الائتمانية.
اتصل بي البنك بعدما غادرت مقهى "ستاربكس" في القاهرة
بثلاثين دقيقة، وسألني إن كنت قد وافقت فعلاً على دفع مبلغ 160,000 جنيه مصري، أي
ما يساوي تسعة آلاف دولار تقريباً، فأدركت على الفور أن موظفة الكاشير – التي كانت
مشغولة بجوَّالها – أضافت إلى المبلغ المُستحق ثلاثة أصفار بخطأ بشري غير مقصود
قطعاً، وطبقاً لوصف "بيترسِن" فإن الأصفار الثلاثة المُضافة تشكِّل
حدثاً كارثياً غير متوقع، لأنه كسر نمط تعاملات "ستاربكس" اليومية التي
لا تزيد في متوسِّطاتها عن عشرات الدولارات، ونادراً ما تبلغ المئات، كما كسر نمطي
في الشراء من "ستاربكس"، مما حرَّكَ نظام الرقابة الإلكترونية في البنك،
فأطلق إشارة تحذير وصلتني بعد ثلاثين دقيقة، وربما لم تكن لتصلني لو كان هاتفي
مغلقاً، أما الكسر الأعمق أثراً فهو ما أصاب الرصيد المُعتمد لبطاقتي الائتمانية،
وحرمني من استخدامها بعدما تجاوزت ميزانيتي الشهرية، ورتَّبَ عليَّ فوائد بنكية لا
أحبذ دفعها، بل أضبطها بسلوكي الاقتصادي المتحفِّظ والمعتدل.
الكواسر هي الأحداث المستحيلة التي يجب أن تقع. عندما اتصلتُ
بمجموعة "الشايع" في الكويت قالت لي المديرة المسؤولة عن معالجة الأخطاء
الكاسرة: "مستحيل! هل أنت متأكد؟"، قلت: "نعم". وأبرقت إليها
بصورة فاتورة الشراء. عملت معي تلك المديرة الراقية على مدى أسبوعين لاستعادة
حقِّي، وقدَّمت لي ثلاث هدايا: مالية وعينية ورمزية من مجموعة "الشايع"،
استدراكاً لهذا الخطأ الكاسر، وعلى الرغم من أن التكاليف كانت باهظة، بالإضافة إلى
العمولات التي اقتطعتها البنوك ذهاباً وإياباً، فإنها لا تقارَن بآثار وتداعيات
الكواسر التي تَطال الجماعات والمدن والدول والعالم برمته، فهل سيتمكَّن الإنسان
بذكاءيه، الطبيعي والاصطناعي، من توقع ما يجب ألا يقع؟ أظنكم تعرفون الإجابة، وهي
"لا" كبيرة وبالتأكيد، فكلما صرنا أكثر ذكاءً وتحوُّطاً، صارت منظومات
حياتنا وشبكات علاقاتنا أكثر تعقيداً وتشابكاً أيضاً.
بقلم: نسيم الصمادي
تعليقات
إرسال تعليق